وهبة الزحيلي
252
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
تعالى حكاية عن موسى عليه السلام : إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ، فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ [ إبراهيم 14 / 8 ] . و في صحيح مسلم : « لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ، ما نقص ذلك من ملكي شيئا » . ثم ذكر اللّه تعالى ما يأمر به ويرضاه وما ينهى عنه ولا يرضاه ، فقال : وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ ، وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ أي لا يحب اللّه تعالى الكفر ولا يأمر به ، لأنه مرتع الضلال والانحراف والذل لمعبودات لا ضرر منها ولا نفع فيها ، وهو سبب الشقاوة في الدارين . وإن تشكروا اللّه على نعمه ، يرض لكم الشكر ويحبه ويزدكم من فضله ، لأن اللّه عز وجل هو سبب السعادة في الدنيا والآخرة . ثم أعلن اللّه تعالى مبدأ المسؤولية الفردية في الدنيا والآخرة الذي هو من مفاخر الإسلام ، فقال : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى أي لا تحمل نفس عن نفس شيئا من الآثام والذنوب والجرائم ، بل كل إنسان مطالب بأمر نفسه وعمله من خير أو شر . وقد وردت هذه الآية في القرآن الكريم خمس مرات . وهي كقوله تعالى : كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ [ الطور 52 / 21 ] وقوله : كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [ المدثر 74 / 38 ] . والجزاء على قدر العمل ، فقال تعالى : ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ، إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي ثم مآلكم ومصيركم إلى ربكم يوم القيامة ، فيخبركم بأعمالكم من خير وشر ، إنه خبير بما تضمره القلوب وتستره أي مكنونات النفوس ، فلا تخفى عليه خافية .